
الأزمة اليمنية الأسباب والمطامع الإقليمية، وسبل الخروج من الصراع..!
يعيش اليمن منذ سنوات في أزمة إنسانية وسياسية عميقة. فما بدأ كاضطراب سياسي داخلي تطور، بفعل التدخلات الخارجية الهائلة، إلى أحد أكثر الصراعات تدميراً في العصر الحالي. يتطلب تحليل الأزمة نظرة دقيقة لأسبابها المتعددة، والمطامع الجيوسياسية للقوى الإقليمية، ودور الفاعلين العالميين.

1. الأسباب المتعددة للأزمة
تعود جذور الصراع الحالي إلى ثورة عام 2011 التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس علي عبد الله صالح الذي حكم البلاد لفترة طويلة. اتسمت المرحلة الانتقالية التي تلت ذلك بفراغ سياسي عميق، وتدهور اقتصادي، وعودة ظهور صراعات قديمة.
•الصراعات الداخلية: أدى استياء حركة الحوثيين (الزيدية الشيعية) من الحكومة الانتقالية، التي اعتبروها مهمشة، إلى سيطرتهم على العاصمة صنعاء في عام 2014. وتفاقم الوضع بسبب التطلعات الانفصالية في الجنوب، والتوترات بين الشمال والجنوب، ووجود تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP).
•التنافس الجيوسياسي: تصاعد الصراع بشكل دراماتيكي في مارس 2015، عندما تدخل تحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، شمل أيضاً دولة الإمارات العربية المتحدة، عسكرياً لدحر المتمردين الحوثيين وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي. كان الدافع الأساسي لهذه الخطوة هو الخوف السعودي من تزايد النفوذ الإيراني على حدودها الجنوبية.
2. مطامع القوى الإقليمية: السعودية والإمارات

لم يكن تدخل القوى الإقليمية مدفوعاً فقط بالهدف المعلن المتمثل في استعادة الشرعية، بل كان مدفوعاً أيضاً بطموحات استراتيجية وإقليمية خاصة، ومتضاربة في كثير من الأحيان، ساهمت في تفتيت اليمن.
•المملكة العربية السعودية: كان الهدف الرئيسي هو احتواء النفوذ الإيراني وتأمين حدودها الجنوبية. ومع ذلك، توسعت المصالح السعودية خلال الصراع لتشمل تأمين موارد النفط والغاز في المناطق الحدودية المتنازع عليها، والسيطرة على مناطق استراتيجية في شرق اليمن.
•الإمارات العربية المتحدة (VAE): اتبعت الإمارات أجندة خاصة بها تركزت على السيطرة على الموانئ والسواحل الاستراتيجية، لا سيما في الجنوب وعلى طول مضيق باب المندب. دعمت الإمارات وسلحت القوى الانفصالية في جنوب اليمن، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، مما زاد من انقسام البلاد وأدى إلى “حرب داخل حرب”. يرى النقاد أن هذه السياسة هي محاولة لتقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ لضمان المصالح الاقتصادية والبحرية الخاصة بها على المدى الطويل.
3. دور القوى العظمى في التمزيق

يُنظر إلى دور القوى العظمى، وخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، من قبل العديد من المراقبين كعامل يغذي تمزيق اليمن بشكل غير مباشر.
•الدعم العسكري واللوجستي: قدمت القوى الغربية للتحالف الذي تقوده السعودية أسلحة واسعة النطاق، ودعماً لوجستياً، ومعلومات استخباراتية. هذا الدعم مكّن من استمرار العمليات العسكرية، مما فاقم الكارثة الإنسانية وعزز مواقف أطراف النزاع.
•الأولويات الجيوسياسية: غالباً ما أعطت السياسة الغربية الأولوية للتحالف الاستراتيجي مع السعودية والإمارات على حساب استقرار ووحدة اليمن. يُنظر إلى التسامح مع الطموحات الإقليمية التي تهدف إلى تقسيم البلاد، أو دعمها بشكل غير مباشر، على أنه فشل من المجتمع الدولي في حماية وحدة وسيادة اليمن.
4. سبل الخروج من الحرب ومقترحات الحل
يتطلب الخروج من الصراع اتباع نهج شامل يتجاوز الحلول العسكرية البحتة ويأخذ في الاعتبار الديناميكيات الداخلية والخارجية المعقدة.

•وقف شامل لإطلاق النار وخفض التصعيد: يجب أن تكون الخطوة الأولى هي وقف دائم لإطلاق النار على مستوى البلاد، تحترمه جميع الأطراف، بما في ذلك الفاعلون الإقليميون.
•عملية سياسية بقيادة يمنية: يجب أن يكون أي حل عملية سياسية شاملة تضم جميع الفصائل اليمنية (الحوثيين، الحكومة المعترف بها دولياً، المجلس الانتقالي الجنوبي، وغيرهم). يجب أن تستند هذه العملية إلى المرجعيات الثلاث: المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (لا سيما القرار 2216)، على الرغم من أن الأخير غالباً ما يُنتقد كعقبة أمام المفاوضات.
•انسحاب القوات الخارجية وإنهاء التدخل: يتطلب السلام الدائم إنهاء التدخلات العسكرية الخارجية وضمان عدم دعم القوى الإقليمية لأي وكلاء انفصاليين أو عسكريين.

•إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية: لا غنى عن إعادة بناء البنية التحتية المدمرة وتقديم مساعدات إنسانية ضخمة لإنهاء أكبر أزمة إنسانية في العالم وإرساء الأساس لمستقبل مستقر.
إن إنهاء الأزمة اليمنية يتطلب إرادة سياسية من جميع الأطراف لوضع المصالح الوطنية لليمن فوق ألاعيب القوة الجيوسياسية. فقط يمن ذو سيادة وموحد وشامل يمكن أن يجلب الاستقرار إلى المنطقة على المدى الطويل.
رئيس التحرير

